فؤاد ابراهيم

132

الشيعة في السعودية

مجالس الجدل العقيم . ولمّا كان أفرقاء السجالات يباركون سرا وعلانية سجّل الماضين ، فإن فصول المعركة تصبح معروفة : قيح هنا وقيح هناك ، وتبرير هنا وتبرير هناك ( كذلك زيّنا لكل أمّة عملهم ) ، وفي نهاية المطاف يلوذ الجميع بالصمت حيال الذات . وعلى الجبهة المقابلة ، يقف أولئك المناصرون لمبدأ الوحدة والتسامح بين المذاهب ، ولكنهم في مواجهة الذات يأنسون إلى خيار الانتقاء من التراث ما يعزز موقفا ظرفيا ومصلحيا وإسدال الستار على ما في هذا التراث من نصوص مناقضة لمنتقياتهم ، وبدلا من نقدها يلجأون إلى إهمالها ، وفي أحسن الأحوال إلى الإشارة إليها بوخز ضئيل من النقد من دون تسمية الأشياء بأسمائها . منذ بضع سنوات ، بدأ بعض المتسامحين مذهبيا بإعادة قراءة الذات ولكن بطريقة انتقائية ، كمن يقرأ موقف الشيخ ابن تيمية المتحامل على الإمام علي ، أو من يقرأ تراث الشيعة في موضوع سب الخلفاء . وفي نهاية المطاف يخرج المعتدلون متعادلين في المنازلة مع التراث . إن الإحساس المتعاظم لدى هؤلاء بخطورة المشكل الطائفي والنية الصادقة التي يحملونها في غرس نبتة التسامح وقبول الآخر ، لم تؤد إلى دفن الخلاف ولم توقف دوي مدافع الطائفية ، فقد كان من السهل على المتساجلين من الفريقين تهديم البناء الوحدوي من قواعده ، لأن في كتابات ابن تيمية والشيعة ما يكفي لإثبات النقيض . جوهر المشكلة يكمن في أن فضاء المقدّس تمدد لدى المتطرف والمعتدل من الفريقين بحيث بات يخشى من الدخول إليه بعقلية الناقد . فالمعتدل كما المتطرف ، يبارك هذا التراث ويرى أن التدقيق فيه يثير زنابير الخليّة ، لذلك يجد في صنع نص آخر يقوم على إعادة قراءة مهادنة للتراث أسلم من مزاولة النقد فيه ، لأن ذلك يتطلب مجاملة للمقدّس وانفصالا عنه . فالمصاهرة المفتعلة بين المقدّس والماضي تمتص كل ما يعلق من نصوص بهذا الفضاء الرحب الذي يشرّع أبواب التسجيل على أفق واسع ، ليصل التساوي بين النشرة الصفراء والنص القرآني حدا موازيا في التعظيم لدى المتلقفين اللاحقين ، ليكونوا جاهزين للزجّ بأنفسهم في أتون المحرقة الطائفية .